إن علم " تفسير النصوص " قد أخذ منذ العصور الإسلامية الأولى أبرز اتجاهين :
الأول منهما هو تحليل النص على المستوى اللغوي والتاريخي الموضوعي الحيادي الذي يقرأ النص قراءة نقدية واعية ، وكان أصحاب هذا الاتجاه آل محمد (ع) الذين وضعوا أسسا واضحة لفهم النصوص وتفسيرها ( إذا أتاكم الحديث عنا فاعرضوه على القرآن فما وافقه خذوه وما خالف فارموا به عرض الجدار ) إن عرض النص على القرآن عرض على العقل والحيادية والموضوعية " وهنا رفض للاتساعية التفسيرية إلا في حدود فهم القرآن الذي يحدده عقل أهل البيت (ع)/ العقل المطلق ، على الرغم من ذلك إلا أن هناك من الشيعة من تأثّر بالاتجاه الآخر وأدخل الرأي في تفسير النص . هذا بالنسبة للاتجاه الأول .
أما الاتجاه الآخر فهو يختلف كليا عن المنهج الأول فهو يعتقد بتصويب " التفسير بالرأي " التأويل وهنا لا أقصد بالتحديد مذهب أبي حنيفة وإن كان مدرجا في ذلك ، ولكن سيتضح من خلال هذه الدراسة بأن المؤولة هم أهل السنة الذين لا يؤمنون بأطر وقواعد لتحليل النصوص وفهمها وإنما يرجعون ذلك إلى مدى فهمهم واستيعابهم للنص بحيث يوافق الأسس العقدية التي يؤمنون بها حتى وإن أتاهم حديث ينسف ما يعتقدونه فهم بتأويلاتهم للنص يخرجونه من مراده الأصلي ليوافق ما يذهبون إليه ، وهذا الحكم ليس جزافا وإنما سيتضح لنا ذلك من خلال تأويلهم للنصوص الدينية .
والصحيح هو أن نخرج الاتجاه الثاني من دائرة " تفسير النصوص " لأن علم تفسير النص يخضع لضوابط محددة اي أنه علم وفن قائم بذاته بينما هذا الاتجاه يحتكم إلى شيء واحد وهو الرأيُ و الهوى العقدي .
وعلى هذا فإنّ النص الديني وإن كان نصا لغويا فإنّ له ضوابطَ تمنعُ الحكمَ عليه لغويًّا صرْفا ( الدال / المدلول ) دونَ الرجوع إلى المفردات الأخرى ( القصد / فكر المبدع ، التناصية ، الدلالات التاريخية ) وعلى هذه الرجوعات الثلاثة سأحاول توضيح إشكالية المؤولة .
فالنصوص الدينية تختلف عن النصوص الأدبية التي يختلف تأويلها بحسب المدارس النقدية المتعددة أي إن النص الأدبي يحتمل اتساعا في تأويله بحسب الرؤية الذاتية النقدية اي إن النص الأدبي كما يراه " ت.س.إليوت " يُؤول بحسب الناقد لا المبدع وما يقصده ويفترض " موت المؤلّف / المبدع " كما يرى عدم الأخذ بالاتجاه النفسي التأويلي للنص .
- إشكالية التأويل :
قال تعالى ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ، فأمَّا الّذينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشَابهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تأْوِيْلِه ﴾ سورة آل عمران آية/ 7
إن التأويل في الفهم القرآني هو الحكم بالرأي الفاسد الذي يؤيد هوى عقديا مصلحيا ، ويشير إلى أن التأويل هو ( إرجاع المحكم إلى المتشابه ) ، لكن الإشكالية التي تضعها الاية لنا هي كالتالي : حصول المتشابه ، فـ ابتغاء الفتنة ، فـ ( التأويل ) ، فالتأويل نتيجة للفتنة التي نشأت في القلوب الزائغة المنحرفة عن الحق وهذه الفتنة تجسدت في " مشكلة تفسير النص / المتشابه "
لقد حددت الشريعة الغراء المعيار الذي من خلاله يتم تحسين الروايات أو تضعيفها فأمرت بعرض الرواية على كتاب الله فإن وافق كلام الله فهو حسن وإن خالف فهو موضوع ومختلق ، وفي هذا ما يَرُدُّ على أوهام مَن يرمي الشيعة بتحريف كتاب الله ! ، لكن المشكلة التي تصادف الفقهاء المخالفين لمنهجية أهل البيت (ع) ليست في الرواية التي تتحدث عن أحقية آل محمد أو أفضليتهم لأن الرواية قد يتم التشكيك في سندها أو متنها وقد يبدو ذلك التشكيك أو الإيهام بأنها موضوعة أمرا مقبولا, لكن المشكلة هي في الروايات الصحيحة سندا والتي رواها الشيخان في صحيحيهما والتي من خلالها يرى الشيعة بأنها تعطي الأولوية لأهل البيت (ع) ، كيف يتم التعامل معها ؟! .
إن القارئ لكتب الصحاح قد يصاب بصدمة حينما يرى أن الأحاديث الواردة فيها تشير بجلاء إلى قداسة آل محمد (ع) ، فلماذا إذا تتبدل نظرة القوم اتجاه أهل البيت (ع) فيكونوا في المرتبة الدنيا ؟! علما بأن القرآن والنبي ( ص ) يشهد لهم بأنهم هم عدل القرآن .
المشكلة ليست في التاريخ والتراث الديني إنما البلاط حيث لعبت السياسة دورا ك
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ